د.مشاري بن عبدالله النعيم
لن أقول أن ما نشرته مجلة (ساينس) الأمريكية بعيد عن واقع الجامعة السعودية، ولن أدعي أن ما ذكرته هذه المجلة كذب وافتراء، لكني في نفس الوقت لا استطيع أن أقبل أن يسمى التعاون مع البارزين علميا وتمويل البحوث العلمية داخل وخارج الجامعة “شراء للبحث العلمي” أو “شراء لسمعة” لا ترتكز على واقع حقيقي. ما أستغرب له فعلا أن جامعتنا لم تتعلم من الماضي، فمن المعروف أن الغرب لا يتمنى لنا الخير وينظر لنا نظرة “دونية” ويرانا مجتمعا “بدويا” متخلفا، فكيف لهذا المجتمع أن يبني صرحا عملاقا بحجم جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وكيف لهؤلاء البدو أن يرصدوا هذه الميزانيات الضخمة للبحث العلمي ويبنوا هذه الصروح العلمية. هذه النظرة لن تتغير، ولسنا بصدد الدفاع عن أنفسنا، لكن يجب أن نترك أعمالنا تتحدث عنا. الرد على مجلة (ساينس) يجب أن لا يكون ردا دفاعيا، بل يجب أن يكون ردا هجوميا من خلال إثبات أننا جادون في بناء “ثقافة البحث العلمي” وبناء مجتمع معرفي يكون بإذن الله ثروة هذه البلاد المستقبلية.
ومع ذلك لابد أن ألوم الجامعات السعودية على ثقافة “الاستعجال” والرغبة في تغيير الواقع بشكل “إعلامي” لا تغيره على مستوى البنية التحتية التي يجب مراجعتها والبحث عن أوجه القصور فيها. ثقافة الاستعجال هذه سوف تفشل كل مشروع وطني مستقبلي، لأن هذه الثقافة مبنية على بناء الاشخاص لا بناء الأوطان، وأنا أقول هذا لأني أرى مسؤولينا يهتمون ببناء مؤسساتهم في حدود الزمن الذي سيكونون فيها على رأس هذه المؤسسات، وبعدها لا يهم أن يأتي الطوفان، لذلك نراهم لا يهتمون بالبنية التحتية التي عادة لا تظهر للعيان ولا تحقق فرقعات إعلامية ويركزون على “الظاهر” الواضح المثير إعلاميا حتى لو أنه لا يصنع أي نفع على المدى الطويل. يقول الله تعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ (الرعد: 17)، وهو تعبير قرآني يبين كيف أن الزبد، الواضح هو مجرد جفاء، لكن ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وفي اعتقادي أننا بحاجة ماسة أن نتمثل هذه الآية العظيمة في تعاملنا مع مصالح الناس، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالوطن ومصالحه العليا التي يأتي البحث العلمي على رأسها. نحن أمام فرصة تاريخية بموازنة عملاقة لم يشهد لها تاريخنا مثيلا، هذه الميزانية من وجهة نظري تفرض علينا مسؤوليات كبيرة، فإذا كنا مررنا بفترة “الاستعجال” ومحاولة “الاصلاح” الترقيعي أتمنى على وزارة التعليم العالي والجامعات السعودية أن يعيدوا حساباتهم وأن يعودوا إلى ما ينفع الناس ويبتعدوا عن المزايدات الإعلامية، لأن مجال البحث العلمي لا يمكن أن “يغطى بمنخل” ولا يمكن أن يصبح مادة إعلامية فقط لأنه سرعان ما سينكشف الزيف ويظهر الحق.
على أنني أود أن أبين أمرا مهما هنا هو أن مجلة (ساينس) أرادت أن تضرب سياسة البحث العلمي الذي انتهجته حكومة خادم الحرمين، حفظه الله خلال السنوات الأخيرة، في مقتل وأرادت أن تشكك الحكومة وقيادتها في جدوى البحث العلمي في المملكة، فإذا كانت الموازنات التي تصرف على هذا البحث تذهب في طريق غير صحيح، فلماذا نهدر أموالنا فيما لا طائل منه. هذه الرسالة الخبيثة التي أرادت المجلة الامريكية أن تبثها، جاءت في وقت قريب من إعلان الميزانية وبأسلوب يحث الحكومة على الانقلاب ضد البحث العلمي، لكن ولله الحمد أتى إعلان الميزامية ليؤكد على دعم غير محدود للتعليم بموازنة تاريخية وصلت إلى 168 مليار ريال لكل مراحل التعليم والتدريب. في اعتقادي أن السحر انقلب على الساحر، وما ذكرته مجلة (ساينس) لم يغير من دعم حكومتنا الرشيدة للتعليم ولم يدفعها للتشكيك في مؤسساتنا التعليمية، وكل ما أتمناه أن يستفيد مسؤولو الجامعات من هذه الثقة الكبيرة وأن يبدؤا فعلا في إعادة حساباتهم وأن يعملوا على إيجاد بنية تحتية للبحث العلمي في مؤسساتهم، فالمستقبل للإقتصاد المعرفي والإستثمار الحقيقي في بناء الإنسان الذي يجب أن يرتكز على ثقافة معرفية “محلية” تمد يديها للخارج وتستفيد منه وتنقل منه كل جديد.
لابد أن نعترف أن هناك تباطؤا غير مبرر من قبل الجامعات السعودية في إطلاق المراكز البحثية، هذا التباطؤ ناتج عن خلل إداري واضح، فمن يدير الجامعات ليس لهم علاقة بالبحث العلمي ويعملون على إسناد المراكز البحثية إلى غير أهلها، ولعلي هنا أؤكد على أن هذه الثقافة مستشرية في بلادنا بشكل مخيف، ويجب أن نقف بقوة في وجه هذه الظاهرة المدمرة، لذلك فإنني أقترح أن يكون هناك هيئة عليا للبحث العلمي تكون تابعة لوزارة التعليم العالي يتم اختيارها من الباحثين السعوديين المتميزين ويكون لها ممثل من كل جامعة ومن المؤسسات الصناعية الكبرى في المملكة، وتكون هذه الهيئة مسؤولة مسؤولية كاملة عن مراكز البحوث في الجامعات ومراكز البحث العلمي المستقلة بما في ذلك مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية التي أثبتت فشلها، فهي مؤسسة لم تستطع أن تصنع ثقافة بحث علمي محلية على الاطلاق، ومن ينتقد هذه المؤسسة والأسلوب العشائري لاختيار مقترحات الأبحاث فيها يتأكد أن لديه هذه المؤسسة لن ينصلح حالها أبدا.
هذا المقترح وغيره من مقترحات ليس نهاية المطاف فنحن نريد أن يكون لدينا بنية تحتية للبحث العلمي، وهذه البنية تتمثل في وجود المراكز والمختبرات العلمية ووجود الباحثين السعوديين المتميزين وأن ترتبط هذه البنية بحاجة المملكة الحالية والمستقبلية في كافة المجالات، فالبحث العلمي يهتم بالتطوير الصناعي والتقني، لكنه كذلك يعالج المشاكل الاجتماعية ويحسن من البيئة العمرانية ويرفع من المستوى الاقتصادي. نحن بحاجة إلى تقاليد في البحث العلمي لا يمكن أن تتحقق بتحسين مرتبة الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية فقط.

