أحمد بن خالد البودعيج النعيم
نه يجري جري الوحوش، لا يُعير إهتماماً بمن أمامه، ولا يكترث إذا ما اجتمع ضِده جميع المخلوقات، انه لا يعرف الحب أو البغضاء، ولا الفرح أو البُكاء، ولا حتى الزمان أو المكان، فقط يجري و يأكل بشراهة غريزية مُصابة بجنون العظمة. صفاته الظاهرة غير واضحة بشكل تام، فلا لون له، ولا رائحة، ولا طعم أيضاً، و لكن الشعور به يجعلهم يجزمون قطعاً بأنه هناك. بدى لهم بأنه دائري الشكل ولا يستطيعون الجزم بهذا الوصف. له أحجام مُختلفة، فمنه ما هو بحجم خاتم الإصبع، ومنه ما هو بأضعاف حجم الشمس. به شراهة مصابة بالجنون لابتلاع كل شيء أمامه، لدرجة أنه يستطيع ابتلاع 1000 شمس كشمس الصباح التي تُشرق علينا كل يوم، ولا يكتفي بهذا فقط بل صار يبتلع نفسه و يبتلع النور و الوقت حتى باتت جميع قواعد الفيزياء و الكيمياء و الرياضيات عاجزة كُلّ العجز بوجوده. انه ما اطلق عليه العُلماء باسم “الثقب الأسود”.
ارتعد خوفاً حين يؤكد جميع علماء الفلك بأننا ننجذب له، فهو قريب من مجرتنا. و أتساءل دائماً لماذا يعاملنا بكل هذه القسوة؟ و لماذا يُحاول أن يدُب الخوف في قلوبنا؟ الثقب الأسود حتى و إن صَغُر حجمه إلّا أن كثافته كمقدار كثافة الآلاف الشموس الضخمة، وكلما زادت كثافة الأجرام زادت جاذبيتها، و هذا يعني بأن جاذبية الثقوب السوداء غير مقاسة من عِظمها، فهل سمعت يوماً بمغناطيس يجذب الضوء؟؟ هذا هو الحال مع الثقب الأسود حتى انهم اسموه بـ”الأسود” لابتلاعه للضوء و الإشعاع على حد سواء!
“ما تم إعطائه سيتم أخذه” هذا ما تحاول الثقوب السوداء إخبارنا به، حيث أن الكثير قد لا يعلم أن سبب وجود هذا الكون بعد أمر الله هو “ثقب أسود” تجرأ و ابتلع نفسه حتى انفجر مُكوناً هذه الكواكب و المجرات و النجوم و الشموس. فهل هذا سبب يُعطي له الحق ليفعل ما يفعله بنا (استرداد الأمانة)؟ قال الله تعالى في سورة الأنبياء (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين). إن هذا الكون الشاسع الذي قُدرت أبعاده ببلايين السنين الضوئية يبدو في يمين خالقها كصحائف الكتاب في يد قارئه، و إن الثقوب السوداء تبدو لي كزاوية منتصف الكتاب، و بداية الكون كمن فتح هذا الكتاب، و نهايته كمن أغلقه.
لكي نأخذ فكرة عن عِظم هذه الثقوب و مدى قوتها دعنا نتخيل جدلاً بأنك تريد أن تدخل إلى داخل أحد هذه الثقوب، و لكي تتمكن من ذلك يتوجب عليك الدخول من مركز الثقب في المنتصف فهي السبيل الوحيدة لدخوله لو استطعت ذلك فعلاً! و لكن بعد عبور الثقب إلى أين ستذهب؟ علمياً فإنك ستذهب إلى فضاء آخر بها سماء أخرى و في زاوية أخرى من أطراف الكون، و لنكمل الافتراض بأنك بعد عبور الثقب الأول رأيت ثقباً آخر في هذه الفضاء الجديدة فقررت النزول بها أيضاً، فستذهب إلى فضاء أخرى جديدة وهكذا من ثقب إلى ثقب و من فضاء إلى فضاء، و لكن حينما تريد العودة بأدراجك إلى الوطن فسترى العَجب العُجاب، فحين تعود من الثقب إلى الفضاء السابقة فسترى نفسك!!! وحين ترجع أيضاً عن طريق ثقب هذه الفضاء إلى الفضاء التي قبلها فسترى نسختين طبق الأصل منك وهكذا تزداد النُسخ كلما رجعت أكثر!!! و السبب وراء ذلك و كما قلت في مقدمة المقالة أن جميع قوانين الفيزياء عاجزة أمام الثقوب السوداء و من قوانين الفيزياء الوقت!! و إذا كان لا وجود للوقت فلا وجود للحركة ولا للمكان وهذا يعني أنت ستظل موجوداً إلى الأبد في كل فضاء! وهذا يعني أنه ليس لكم -أي انت و نسخك- أي مستقبل ولا ماضي ولا حاضر بالداخل!! وهذا هو الجنون في الثقوب السوداء.
نتعجب جداً مما توصل إليه العلم في هذا الزمن، والكثير منا يجهل وجود ذِكر الثقوب السوداء في القرآن الكريم (فلا أقسم بالخنس (1) الجواري الكُنس) سورة التكوير. و الأعجب كيف و نحن نتحدث بلغة هذا القرآن المُقدس ولا نعلم بوجود الكثير من الحقائق الكونية فيه، و يزيد حزني كلما سمعت الرسول وهو يقول لله تعالى في سورة الفرقان (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا). فلماذا لا نتجنب التراقص فوق لهيب الحِمم المُحرقة؟

