سلمان .. متابعة التفاصيل تأتي أولً

د.مشاري بن عبدالله النعيم

لقد فقد الوطن رجلاً عظيماً، شكل مفصلًا مهماً في الذاكرة الوطنية وعمل على أمن واستقرار المواطنين على مدى أربعة عقود، فرحم الله الأمير نايف رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، لكنه كسب في نفس الوقت رجلاً عظيماً، وهو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد يحفظه الله، فقد كان الكل يتوقع أن يكون هو الرجل الذي سيعهد له خادم الحرمين – حفظه الله -، بولاية العهد، وهذا التوقع لم يأت مصادفة، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، والأمير سلمان، رجل المهمات الصعبة ورجل الدولة التي عاش كل تفاصيلها وشارك في مواجهة كل الأزمات التي مرت بها، وعمل مع مواطنيه على بنائها وتطويرها. الأمير سلمان، خير خلف لخير سلف، وجميع المواطنين مستبشرون بولايته للعهد. 

الذي يعرف الأمير سلمان عن قرب ومتابعته الدقيقة لتفاصيل الأمور ووقوفه الشخصي على كل الاعمال التي هو مناط بها يعرف حنكة هذا الرجل ودرايته ومعرفته ببواطن الأمور، فكل موضوع يتحدث عنه الأمير تشعر وكأنه موضوعه الوحيد، وكل أمر له أهميته وله وقته المخصص على أجندة الأمير الكبيرة. الوطن يتوقع من هذا الرجل الكثير فهو إنسان يستطيع أن يوفر الوقت من أجل اتقان العمل، ويستطيع أن يعطي كل مواطن الاهتمام الذي يستحقه. أتذكر في مناسبات عدة كتبت عن الرياض، المدينة والمجتمع، وكان الأمير متابعاً لكل التفاصيل، يعلق ويحاور ويعطي رأيه بدقة، فهو لا ينزعج من النقد ويعتبر الصراحة جزءاً أساسياً من التطوير لكنه يهتم أكثر بالنقد الذي يبني والتركيز على الحلول والبحث عن الافكار الجديدة بدلًا من التنظير الذي لا يؤدي إلى نتائج على أرض الواقع، اهتمامه بمدينة الرياض كان اهتماماً من نوع خاص، فهي المدينة التي تشكلت بإدارته وهي المكان الذي يمثل الذاكرة ويرمز للوطن. 

نحن أمام إنسان عملي يؤمن بالحلول الواقعية ويتعامل مع المشاكل بسعة أفق ومعرفة عميقة بمعطيات الواقع. المتابعة الدقيقة للتفاصيل هي سمة القائد الناجح، وقد سمعت الامير سلطان بن سلمان (رئيس الهيئة العامة للسياحة الآثار) يقول في أكثر من مناسبه أنه تعلم من والده: “أن المسؤول إما أن يقوم بمتابعة عمله بدقة ويقف عند كل التفاصيل أو يعتذر عن المسؤولية”. هذا المبدأ الإداري الصارم هو الذي جعل رجلاً بقامة الأمير سلمان أميراً متفقاً عليه لمنطقة الرياض لعقود طويلة ومتفقاً عليه لولاية عهد جديد تعيشه بلادنا الغالية. 

المقدرة على التعامل مع الناس وفهم ثقافاتهم وطبائعهم المتعددة جزء أساسي من إدارة الحكم، فإذا كانت العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي نوع من “التعاقد الاجتماعي” فإن إدارة الحكم لدى الأمير سلمان ترجمت هذا التعاقد ثقافة ومعرفة، لأنه من غير المستغرب عندما تسلم على الأمير ويسألك عن أسمك تجده عالما في الانساب وفي التوزيع الجغرافي للقبائل في الجزيرة العربية يبحر معك إلى عوالم ثقافية واجتماعية ومتعددة حتى أنك تخجل من عدم مقدرتك على مجاراة الأمير في ثقافته وسعة اطلاعه، تجده يسهب في التفاصيل فهو شغوف بمجتمعه، عاشق للناس الذي هو منهم ويحبهم ويحبونه. هذه المعرفة نابعة من الاحساس الكبير بالمسؤولية، فعندما تكون مسؤولاً عن الناس يجب أن تعرفهم حق المعرفة، ويجب أن تبني خبرة واسعة بالكيفية المناسبة للتعامل معهم، وهذا هو الدرس الإداري الكبير الذي يقدمه الأمير سلمان للوطن. 

قبل عدة أشهر التقينا مع الأمير سلمان في قصر الملك عبدالعزيز في الخرج، والحقيقة أن التفاصيل الدقيقة التي ذكرها الأمير حول القصر وعن ذكرياته مع والده الملك عبدالعزيز يرحمه الله كانت مذهلة، حتى أنني افكر أن أكتب عن “سلمان وذاكرة العمران”، خصوصا وأنني مهتم بالتراث العمراني في المملكة وذاكرة الأمير غزيرة بتفاصيل حول مواقع مهمة ومؤثرة في مسيرة تاريخنا الوطني. كان يتحدث عن العناصر العمرانية في القصر وعن مسمياتها القديمة وعن ذكرياته الشخصية في كل ركن من أركان القصر وهي ذكريات اصلًا ارتبطت بالمكون المادي المعماري للمكان، الحديث امتد في الفناء الرئيس للقصر القديم في الخرج وكان الأمير مستمتعا بالحديث وهو واقف دون كلل أو ملل. أذكر أنه استوقفني عند باب القصر وسألني عن الهفوف وعن أماكن متعددة في حي الكوت وعن حي “الرقيقة” الذي كان خارج سور المدينة ويقع في الجزء الجنوبي الغربي منها. لقد أدهشتني الأسئلة كما أدهشتني الذاكرة، فالأمير سلمان يحمل الوطن بأكمله في ذاكرته وفي قلبه. هذا الاهتمام بالمكان في الجزيرة العربية، ليس مستغربا، فمن استمع لمحاضرات الأمير سلمان حول تاريخ المملكة يشعر بهذا الشغف بالمكان وتاريخ العمران، أنه امتداد لاهتمام الأمير بتاريخ الناس في البلاد التي هو منها ويحكمها ومسؤول عنها. 

نحن نتحدث عن رجل دولة، يتعامل مع القضايا الكبيرة جدا لكنه لا يهمل المسائل الصغيرة، يعيش القضايا السياسية الملحة لكنه لا يهمل الشأن الثقافي العام، يتابع تفاصيل مرتبطة بمستقبل الدولة وأمنها لكنه مهموم باستقرار المواطن وراحته وحياته اليومية. المشاريع الاجتماعية التي تبناها الأمير سلمان خلال تاريخية الطويل تؤكد على أنه مسكون بهموم مواطنيه، فمن مركز الأمير سلمان الاجتماعي إلى مشروع الامير سلمان للإسكان الخيري، إلى غيرها من مشاريع إنسانية تعبر عن هذا الارتباط العميق بين الأمير الانسان وبين ابناء وطنه. لقد أحدثت هذه المشاريع تحولًا جوهرياً في مفهوم العمل الخير في المملكة وحولته من عمل فردي “اجتهادي” إلى عمل “مؤسساتي” منظم ومؤثر. 

نستبشر خيرا بالأمير سلمان، وبلادنا والمنطقة كلها تمر بمفترق طرق وتتطلب رجالاً حكماء يديرون الأزمات المتلاحقة التي تحيط بنا. نحن في وقت حرج، ونحتاج إلى رجال كبار يعرفون كيف يتعاملون مع الظروف الصعبة ويقودون السفينة إلى بر الأمان. نحن على يقين أن الوطن في قلب سلمان كما أن سلمان في قلب الوطن، وكما أن المواطن يتوقع الكثير من ولي العهد كذلك يتوقع ولي العهد الكثير من المواطن. إنها علاقة متبادلة من المواطنة يقودها الكبار الذين أرسوا وحدتنا الوطنية وحافظوا عليها بجهدهم ووقتهم ودمائهم.

جريدة الرياض

Shopping Cart
Scroll to Top